غريغوريوس الملطي ( ابن العبري )

159

تاريخ مختصر الدول

عليه اسحق النوبختي وقال : بعد الكد استرحنا من خليفة له أم وخالة وخدم يدبّرونه فنعود إلى تلك الحال لا والله لا نرضى إلا برجل كامل يدبّر نفسه ويدبّرنا . وما زال حتى ردّ مؤنسا عن رأيه وذكر له أبو منصور محمد بن المعتضد فأجابه مؤنس إلى ذلك . وكان النوبختي في ذلك كالباحث عن حتفه بظلفه فان القاهر قتله كما سيأتي ذكره . وأمر مؤنس بإحضار محمد ابن المعتضد فبايعوه بالخلافة لليلتين بقيتا من شوال سنة عشرين وثلاثمائة ولقبوه القاهر باللَّه . وكان مؤنس كارها لخلافته ويقول : إنني عارف بشره وشؤمه . ولما بويع استحلفه مؤنس لنفسه ولحاجبه بليق ولعليّ بن بليق . واستحجب القاهر عليّ بن بليق وتشاغل القاهر بالبحث عمن استتر من أولاد المقتدر وحرمه ثم أحضر القاهر أم المقتدر عنده وكانت مريضة قد ابتدأ بها استسقاء فسألها عن مالها فاعترفت له بما عندها من المتاع والثياب ولم تعترف بشيء من المال والجواهر . فضربها اشدّ ما يكون من الضرب وعلقها برجلها وضرب المواضع الغامضة من بدنها . فحلفت انها لا تملك غير ما اطلعته عليه . وصادر جميع حاشية المقتدر وأصحابه ووكل على بيع أملاك أمّ المقتدر وحلّ وقوفها فبيع جميع ذلك . وفي سنة إحدى وعشرين وثلاثمائة استوحش مؤنس وبليق الحاجب وولده عليّ الوزير وأبو عليّ بن مقلة من القاهر وضيّقوا عليه ووكلوا على دار الخليفة أحمد بن زيرك وأمروه بتفتيش كل من يدخل الدار ويخرج منها وان يكشف وجوه النساء المنقّبات . ففعل ذلك وزاد عليه حتى أنه حمل إلى دار القاهر لبن فأدخل يده فيه لئلا يكون فيه رقعة . فعلم القاهر ان العتاب لا يفيد فأخذ في الحيلة والتدبير عليهم وأرسل إلى الساجيّة أصحاب يوسف بن أبي الساج يغريهم بمؤنس وبليق ويحلف لهم على الوفاء فتغيرت قلوبهم . فبلغ ابن مقلة ان القاهر يجتهد في التدبير عليهم فذكر ذلك لمؤنس وبليق وابنه فاتفق رأيهم على خلع القاهر الا مؤنس فإنه قال لهم : لست أشك في شر القاهر وخبثه ولقد كنت كارها لخلافته وأشرت بابن المقتدر فخالفتموني وقد بالغتم الآن في الاستهانة به وما صبر على الهوان الا من خبث طويته ليدبر عليكم فلا تعجلوا حتى تؤنسوه وينبسط إليكم ثم اعملوا على ذلك . فقال عليّ ابن بليق وابن مقلة : ما يحتاج إلى هذا التطويل فان الحجبة لنا والدار في أيدينا وما يحتاج ان نستعين في القبض عليه بأحد لأنه بمنزلة طائر في قفص . واتفقوا على أن يدخل عليّ بن بليق على القاهر ويكون قد أمر جماعة من عسكره بالركوب إلى أبواب دار الخليفة فيقبض عليه . فهم في هذا ان حضرت ظريف السكّريّ في زي امرأة فاجتمع بالقاهر فذكر له جميع ما قد عزموا عليه فأخذ حذره وأنفذ إلى الساجية أحضرهم متفرقين